يرى “ابن السوق” المتمرّس ،أن الربح الحقيقي يكمن في السير عكس اتجاه القطيع وعكس رغبات الأغلبية. وبناءً عليه، فإن كل من اندفع لشراء الذهب مؤخراً ليس إلا ضحية للعبة كبرى.
قد يتساءل البعض: كيف يكون ذلك والمستثمرون لا يزالون يشترون كميات ضخمة؟
الحقيقة أن المستثمرين الحقيقيين هم الذين اتخذوا مراكزهم الشرائية منذ سنوات، وتحديداً منذ بدأ “الاحتياطي الفيدرالي” بخفض أسعار الفائدة، حينما لم يعد الاستثمار في سندات الخزينة يحقق مكاسب مجزية.
فلسفة القطيع:
إن ما شهده سوق الذهب قبل يومين لم يكن وليد الصدفة، ولا خللاً تقنياً، ولا حتى “تصحيحاً طبيعياً” كما يحلو للاقتصاديين تسميته. بل كان عملية منظمة لاستدراج “صغار المستثمرين” (القطيع). هذا القطيع يشتري ويبيع مع كل موجة، وفي كل حركة يخسر جزءاً من ثروته على أرض الواقع.
الذهب لم يسقط: بل تم سحبه بذكاء.
الأموال لم تتبخر: بل عادت إلى أصحابها الأصليين.
إنها فلسفة أو عقلية القطيع (Herd Mentality)، وهي ظاهرة نفسية واجتماعية يميل فيها الأفراد إلى تبني سلوكيات ومعتقدات، وآراء الأغلبية بشكل أعمى ودون تفكير نقدي، سعياً للانتماء أو الخوف من الاختلاف..
جوهر اللعبة:
اللعبة ليست مجرد ذهب أو فضة أو عملات رقمية؛ إنها صراع بين من يملك سلطة الطباعة، ومن يملك سلطة التسعير، ومن يصدق الرواية فيتحرك في الوقت الضائع أو الخاطئ.
كل أزمة يحدثها السوق هي بمثابة “غربال” لتصفية الصغار بعد تجريدهم من مدخراتهم لإضافتها إلى ثروات الكبار. والأخطر في هذه الأزمات هو ظنك بأنك خارج اللعبة، بينما أنت في الحقيقة جزء أساسي منها، وتتأثر بتداعياتها حتى وإن لم تشارك في البيع أو الشراء.
ما يتغير فعلياً ليس السعر، بل “الملكية الرقمية”. إن عملية التصفية والفلترة في العصر الحديث بدأت منذ عام 2008؛ فمن استوعب هذا الدرس حافظ على كيانه، ومن دخل متأخراً فلن يفهم الحقيقة إلا بعد تصفية حسابه لانجراره مع القطيع.
القصة باختصار هي “لعبة”؛ سينهض السوق مجدداً ثم يعاود الهبوط، والخاسر دائماً هو ذاك الذي يحترق بتصديقه أوهام السوق.
من المنظور التحليلي الرقمي، نحن حالياً في مرحلة “توزيع المراكز”.. فتاريخياً، يعقب كل صعود حاد مدفوع بالبروباغندا، عملية “تصحيح قاسية” تعيد السعر إلى مستويات الدعم الأساسية، وهي اللحظة التي يخرج فيها “ابن السوق” رابحاً لأنه لم ينجرّ خلف العاطفة.
وفي الخلاصة ورغم كل ما حدث وسيحدث، يبقى الذهب ملاذاً آمناً.. أما القاعدة: “فاشتري عند التشاؤم وبع عند التفاؤل المفرط”.. وحينما يبدأ الجميع بالحديث عن الذهب كأنه الوسيلة الوحيدة للثراء، يكون كبار اللاعبين (الحيتان) قد بدأوا بالفعل في جني الأرباح والخروج من السوق، تاركين الصغار يشترون في القمة..

