الليرة اللبنانيّة في عين العاصفة: ثبات هندسي هجين أمام ضغوط الحرب ـ بقلم المحامي زياد فرام

في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً متسارعاً، يبرز التساؤل الاقتصادي الأكثر إلحاحاً في الشارع اللبناني: إلى متى يصمد الاستقرار “الهش” لسعر صرف الدولار مقابل الليرة؟ وبينما تشير الأرقام الرسمية إلى استقرار عند تخوم الـ 90,000 ليرة، تكشف القراءة العميقة للمؤشرات النقدية عن صراع خفي بين أدوات المصرف المركزي وضغوط “اقتصاد الحرب”.

​نجح مصرف لبنان حتى اللحظة في لجم التقلبات الحادة عبر سياسة تجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، محولاً إياها إلى “عملة نادرة” في التداول اليومي. هذا الانكماش النقدي المتعمد، مدعوماً باحتياطيات من العملات الأجنبية تقارب 11.88 مليار دولار، شكل حائط صدٍ أولي حال دون الانهيار الدراماتيكي السريع الذي شهدته الأزمات السابقة.

​ما هي الضغوط التي قد تؤدي للانفجار السعري ؟!
​من خلال قراءة متعمقة يظهر أنَّ الاستقرار النقدي ليس نتاجاً عن تعافٍ بنيوي، بل هو “هدوء ما قبل العاصفة” المرتبط بثلاثة عوامل مفصلية:
​ـ إستنزاف الموارد الطارئة: إنفاق الحكومة على قطاع النزوح والخدمات الطارئة سيضغط على موازنة 2026، مما يرفع احتمالية العودة لتمويل العجز عبر “الخلق النقدي” (طباعة الليرة)، وهي الشرارة التقليدية للتضخم.

​ـ إنقطاع التدفقات الخدماتية: فالحرب أدت إلى شلل شبه كامل في القطاعات التي ترفد السوق بالدولار “الطازج”، ما يؤدي تدريجياً إلى اختلال ميزان العرض والطلب لصالح العملة الصعبة.
​ـ علاوة المخاطر (Risk Premium): مع كل تصعيد ميداني، يزداد الطلب النفسي على الدولار كملاذ آمن، مما قد يدفع السعر في السوق الموازية لتجاوز السقوف التقنية الموضوعة من قبل السلطات النقدية.
بناءً على كل ذلك تتأرجح التوقعات بين سيناريوين:
​ـ سيناريو الاحتواء: استمرار التذبذب ضمن هامش (90,000 – 95,000) ليرة، في حال بقاء النزاع (الحرب) ضمن حدود زمنية وجغرافية لا تستدعي استنزافاً كاملاً للاحتياطيات.

​ـ سيناريو الانزلاق: في حال طال أمد النزاع وتضررت البنية التحتية للجباية، قد نشهد قفزات سعرية تضع الليرة أمام اختبارات قاسية تتجاوز حاجز الـ 100,000 ليرة وما فوق، مدفوعةً بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتراجع الثقة.

إن الاقتصاد اللبناني اليوم يعيش مرحلة “الانتظار الثقيل”. وبينما يمتلك المصرف المركزي بعض “الذخيرة” النقدية، إلا أن الحلول التقنية وحدها لا تكفي للصمود أمام استحقاقات جيوسياسية كبرى. فيبقى سعر الصرف اليوم رهينة التطورات الميدانية وقدرة الدولة على تأمين تمويلات بديلة لا تمر عبر مطبعة العملة.