إنّ اندفاع الدول، كما الأفراد، نحو شراء الذهب لا يُعبّر عن حالة هلعٍ عابرة، بقدر ما يعكس قراءة واقعيَّة لمستقبل اقتصادي عالمي يتّسم بدرجة عالية من عدم اليقين. فالمعطيات الراهنة لا تُشير إلى انهيارٍ وشيك للدولار الأميركي، بل إلى تراجعٍ تدريجي في مكانته المِطلقة داخل النظام المالي الدولي.
صحيح أنّ العملة الخضراء ستبقى لاعبًا أساسيًا في المدى المنظور، غير أنّها قد لا تعود اللاعب الوحيد في ظلّ تقلّبات الأسواق، وتغيّر موازين القوى، والتحوّلات الجيوسياسيّة المتسارعة نحو نظام عالمي متعدّد الأقطاب.
لقد عاد الذهب ليحتل موقعًا مركزيًا في استراتيجيات الدول المالية، فهو أصل لا يرتبط بسيادة دولة بعينها، ولا يخضع للتحكّم السياسيّ، ما جعله يستعيد دوره التاريخي كحارسٍ للقيمة وعنصر توازنٍ واستقرار في مرحلة انتقاليّة غير واضحة المعالم من تاريخ النظام العالمي.منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اضطلعت الولايات المتحدة الأميركيّة بدور “الحارس” للنظام الدولي، عبر حماية طرق التجارة العالميّة، وضمان استقرار النظام المالي القائم على الدولار، والتدخّل عسكريًا أو سياسيًا عند تعرّض هذا النظام للتهديد، إضافة إلى ربط الاقتصاد العالمي بمؤسسات دولية تقودها، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبمعنى أوضح: أمن عالمي مقابل هيمنة الدولار.
غير أنّ هذا الدور يواجه اليوم تحدّيات بنيويّة حقيقية.. فقد أصبحت كلفته باهظة، إذ تنفق الولايات المتحدة مئات المليارات سنويًا على الأمن العالمي، فيما تستفيد دول أخرى من هذا الاستقرار دون أن تتحمّل العبء ذاته. كما تراجع القبول الدولي بفكرة “الحارس الواحد”، في ظلّ شعور متنامٍ لدى عدد من الدول بأن هذا الدور يُستخدم أحيانًا لفرض العقوبات، أو التدخّل السياسي، أو حتى الابتزاز الاقتصادي، ما ولّد رغبة واضحة في التحرّر من هذه الوصاية.
في المقابل، برز ما يمكن تسميته بـ“الحراس الجزئيين”، حيث بدأت قوى كبرى كالصين وروسيا، إلى جانب تكتلات إقليمية، بحماية مصالحها بنفسها، وإنشاء أنظمة دفع وتجارة خارج المظلّة الأميركية، وتعزيز احتياطاتها من الذهب كبديلٍ عن الثقة السياسية بالنظام القائم.
ولا يعني ذلك أنّ الولايات المتحدة ستتخلّى كليًا عن دورها، فالسيناريو المرجّح هو أنّها لن تختفي من موقع الحارس، لكنها لن تبقى الحارس الوحيد. بل سيتحوّل دورها إلى دورٍ انتقائي، يركّز على حماية المصالح المباشرة أكثر من الحفاظ على النظام ككل.
مما تقدّم، تتجلّى أهمية الذهب من جديد، فالدول تقول ضمنيًا: إذا لم يعد الحارس محايدًا، فنحن بحاجة إلى ضمانة لا تخضع له.. والذهب، بطبيعته، يشكّل هذه الضمانة؛ فهو لا يحتاج إلى حارس، ولا يمكن معاقبته، ولا تجميده.
خُلاصَة المَشهَد ـ بقلم المحامي زياد فرام

