في الدول الطبيعية، تعلن حالة الطوارئ عندما يتهدد الوطن خطر استثنائي. لا تعلنها الدول حباً بالسلطة، بل لأن القانون نفسه يفرضها عندما تصبح الظروف خارج قدرة الإدارة العادية على الضبط. فالقانون لا يوضع للأيام الهادئة، بل للحظات الخطر.
اليوم يعيش لبنان لحظة من هذا النوع. حرب على الحدود، تهجير لعائلات من بيوتها، خوف في القرى والمدن، واقتصاد متفلت منذ سنوات. ومع ذلك، يبدو أنَّ الدولة لا تزال تتصرف وكأن شيئاً استثنائياً لا يحدث.
المفارقة أن القانون اللبناني نفسه رسم الطريق بوضوح. فمرسوم إعلان حالة الطوارئ ينص صراحة على أنها تعلن عند تعرض البلاد لخطر مداهم ناتج عن حرب خارجية أو اضطرابات تهدد النظام العام أو عند وقوع أحداث تأخذ طابع الكارثة.
وأيّ توصيف أدق من هذا الذي يعيشه اللبنانيون اليوم..؟
الناس تهجّر من مناطقها تحت وطأة الحرب. عائلات تترك بيوتها على عجل، تبحث عن مأوى في مدن أخرى. لكن بدل أن تجد تضامناً وطنياً واسعاً، تصطدم أحياناً بجشع السوق: فنادق تضاعف أسعارها، وتجار يحتكرون، وسلع تختفي لتظهر لاحقاً بأثمان مضاعفة.
كأن المأساة الوطنية تحولت لدى البعض إلى فرص مضاربة.
هذا المشهد ليس جديداً على اللبنانيين. فقد عاشوه خلال جائحة COVID-19 وتداعيات انهيار قيمة النقد الوطني بين الأعوام 2019 ـ2022 حين انفلتت الأسعار واحتُكرت السلع مع تداعيات الأزمة المالية اللبنانية حيث تُرك المجتمع لمواجهة مصيره بدفع أكلاف الانهيار الاقتصادي بلا أدوات ردع حقيقية.
في كل تلك اللحظات الاستثنائية، كان يمكن للدولة أن تلجأ إلى أكثر أدواتها وضوحاً: إعلان حالة الطوارئ. لكنها لم تفعل.
والحال أن القانون واضح. فبمجرد إعلان الطوارئ، تنتقل مسؤولية حفظ الأمن والنظام العام إلى السلطة العسكرية العليا، وتوضع تحت تصرفها مختلف القوى الأمنية. عندها يصبح ممكناً ضبط الأسواق، منع الاحتكار، مراقبة حركة السلع، وتأمين الحد الأدنى من العدالة في توزيع الأعباء.
كما يمنح القانون السلطة العسكرية صلاحيات استثنائية لحماية الاستقرار: فرض تدابير أمنية، منع التجول عند الحاجة، ضبط التجمعات التي تهدد الأمن، وحتى فرض الرقابة على النشرات والإعلام الذي قد يؤجج الفوضى أو ينشر الذعر في زمن الحرب.
ليست هذه صلاحيات تعسفية كما يظن البعض، بل أدوات قانونية وُجدت تحديداً لمثل هذه الظروف. فحين تكون البلاد في خطر، يصبح واجب الدولة أن تكون راعية فتمنع استغلال الناس، وأن تضبط الفوضى قبل أن تتحول إلى انهيار اجتماعي.
إن إعلان حالة الطوارئ اليوم ليس إعلان حرب على الحريات، بل إعلان حماية للمجتمع. هو رسالة واضحة بأن معاناة الناس ليست سلعة في السوق، وأن تهجير المواطنين ليس فرصة تجارية، وأن الإعلام في زمن الخطر مسؤولية لا منصة لإشعال الفتن.
لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً حين تُركت الأزمات السابقة بلا إدارة حازمة. واليوم، تحت وطأة العدوان وما يفرضه من تهجير وخوف واضطراب اقتصادي، لم يعد مقبولاً أن تبقى الدولة متفرجة.
فالطوارئ، في جوهرها، ليست تعليقاً للدولة…بل عودتها.

