يعلّق هذا المقال على إعلان مؤسسة البترول الكويتية وما يعقبها من مؤسسات النفط الخليجيّة حالة القوة القاهرة من حيث الاثر القانوني والإقتصادي على مبيعات النفط الخام، بعد سلسلة من تخفيضات الإنتاج التي طالت بعض أكبر منتجي الطاقة في العالم عقب إغلاق مجال مضيق هرمز..
تمثل “القوة القاهرة” في العقود النفطية الدولية الخط الفاصل بين الالتزام التعاقدي والإستحالة التنفيذية. حين تعلن دولة محورية كالكويت أو أي من شقيقاتها الخليجيات هذه الحالة، فإننا لا نتحدث عن إجراء إداري عابر، بل عن “تعطيل اضطراري” للمحرك الأساسي للاقتصاد العالمي، وذلك يستند إلى حجج قانونية دامغة وتترتب عليه زلازل سعرية كبرى.
التكييف القانوني وسند الإعفاء في العقود العربية:
تخضع عقود بيع النفط الخام (Crude Oil Sales Agreements) التي تبرمها الدول العربية لضوابط قانونية صارمة، حيث يُدرج بند “القوة القاهرة” (Force Majeure) كصمام أمان لمواجهة “الحوادث الاستثنائية” التي تخرج عن إرادة الطرفين.
من الناحية القانونية، تستند هذه الإعلانات إلى ثلاثة أركان جوهرية:
عدم إمكانية التوقع: أن يكون الحدث (الحرب أو إغلاق المضائق) مباغتاً ولا يمكن التنبؤ به عند توقيع العقد.
خارجية الحدث: أي أن لا يد للمؤسسة الوطنية للنفط في وقوعه.
الاستحالة المطلقة: أن يصبح تنفيذ الالتزام بنقل النفط عبر الممرات المعتادة (كمضيق هرمز) مستحيلاً مادياً أو خطراً جسيماً على الأرواح والممتلكات.
بموجب هذا الإعلان، يتحلل الطرف البائع من “المسؤولية العقدية” تجاه المشترين الدوليين، مما يسقط الحق في المطالبة بـ الشرط الجزائي أو التعويض عن فوات الربح، وتتحول العلاقة التعاقدية من “النفاذ” إلى “التعليق المؤقت” لحين زوال المانع أو القوة القاهرة.
مضيق هرمز.. الجغرافيا التي تحكم الاقتصاد:
يُعد مضيق هرمز العنق اللوجستي الذي يغذي العالم بنحو خِمس إمداداته النفطية. إن توقف الحاملات في هذا الممر الحيوي يعني إنتقال الأزمة من “نطاق محلي” إلى “أزمة طاقة شاملة”، ما يسبب إنقطاع سلاسل الإمداد (Supply Chain Rupture) ، فوقف التدفق النفطي عبر هرمز لا يعني نقص المعروض فحسب، بل يعني إختناقاً في الموانئ التصديرية واضطراراً لإغلاق آبار الإنتاج (Shut-ins) لتجاوز السعة التخزينية المتاحة، وهي عملية ذات كلفة فنية باهظة عند إعادة التشغيل.
بناءً عليه يطرح السؤال، ماذا عن علاوة المخاطر والتأمين ؟: قانونياً، يسبّب ارتفاع درجات ونِسَب المخاطرة في عقود الشحن البحرية دفع شركات التأمين لفرض “علاوة حرب” تحول دون قدرة السفن غير المشمولة بالإعفاء على الإبحار، مما يعزز حالة الشَّلل التجاري ما يؤدّي لإنعكاسات إقتصادية وحرب أسعار.
اليوم، تعيش الأسواق العالمية حالة من “الذعر السعري” بمجرد صدور بيان القوة القاهرة. وتتمثل الانعكاسات في:ة
انفجار الأسعار الفورية (Spot Prices) فتتحول أسعار النفط من الاعتماد على معادلة العرض والطلب إلى الاعتماد على “علاوة الخوف”.
تاريخياً، تؤدي هذه الأزمات إلى قفزات سعرية فورية قد تتجاوز حاجز الـ 120-140 دولاراً للبرميل، نظراً لغياب البديل الجاهز لتعويض ملايين البراميل اليومية.
ما هو الأثر العقدي لقانون القوة القاهرة ؟ :
يمنح قانون القوة القاهرة المشترين (الدول المستهلكة) الحق في البحث عن مصادر بديلة دون الإخلال بالعقد الأصلي، مما قد يغير موازين القوى لصالح النفط الصخري أو نفط بحر الشمال، ولو مؤقتاً.
الخلاصة: سيؤدي ارتفاع أسعار الوقود الناتج عن النقص العربي إلى موجة تضخمية تضرب سلاسل الإنتاج العالمية، مما قد يدفع البنوك المركزية الكبرى لمراجعة سياساتها النقدية بشكل حاد.
فإعلان القوة القاهرة في العقود النفطية العربية هو “درع سيادي” يحمي المقدرات الوطنية من التبعات القانونية والتعويضات المليارية، لكنه في الوقت ذاته يعيد تعريف “أمن الطاقة” العالمي. فبينما يمنح القانون البائع مخرجاً من الالتزام، يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار قاسٍ، يثبت أن استقرار النفط العربي ليس خياراً تجارياً، بل هو الركيزة التي يستند إليها استقرار النظام المالي العالمي.
ما البديل ؟ : لطفاً قراءة دراستنا المنشورة على منصة “مركز السياسات والاستشراف المعرفي(مسام) ” بعنوان:
“التحوّل الهيكلي لعام 2026: “كورونا 2.0” ونهاية عصر الوقود الأحفوري”

